مقال توثيقي شامل + عرض شرائح (Slide Deck)

النجاشي أصحمة بن أبجر: ملك أكسوم العادل ومجير المهاجرين في الحبشة

سيرة النجاشي أصحمة بن أبجر ملك الحبشة العادل، قصة استضافته للمهاجرين المسلمين، مناظرته مع قريش، وصلاته الغائب خلف النبي ﷺ بالتفصيل.

8 دقائق قراءة دراسة موسوعية موثقة
فريق تاريخنا٢٣‏/٠٨‏/٢٠٢٦8 دقائق قراءة
حجم خط القراءة:
النجاشي أصحمة بن أبجر: ملك أكسوم العادل ومجير المهاجرين في الحبشة
لوحة توثيقية: النجاشي أصحمة بن أبجر: ملك أكسوم العادل ومجير المهاجرين في الحبشة
بطاقة الحقائق والتوثيق الزمني والجغرافي
العصر الجاهلي وصدر الإسلام / العصر الأكسومي المتأخر
الفترة على الخط الزمني:أواخر القرن السادس - مطلع القرن السابع الميلادي (580 - 630 م)
الموقع الجغرافي:أكسوم، إقليم تيغراي، إثيوبيا(14.13, 38.72)
فترة الحكم أو التشييد:نحو 605 م – 630 م
تاريخ الاكتشاف أو الحدث:الهجرة إلى الحبشة 615 م
أبرز الشخصيات التاريخية:
النجاشي أصحمة بن أبجرالنبي محمد ﷺجعفر بن أبي طالبعمرو بن العاصأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان
أبرز الأحداث الفاصلة:
اعتلاء أصحمة عرش مملكة أكسوماستقبال الهجرة الإسلامية الأولى والثانية إلى الحبشةمناظرة جعفر بن أبي طالب في البلاط الأكسومي وقراءة سورة مريمإسلام النجاشي استجابة لرسالة النبي ﷺأداء أول صلاة غائب في الإسلام بالمدينة المنورة بعد وفاته

مقدمة: ملك لا يُظلم عنده أحد

في مطلع القرن السابع الميلادي، وبينما كانت رمال شبه الجزيرة العربية تموج بالصراعات القبلية والاضطهاد الديني ضد الدعوة الإسلامية الناشئة في مكة، برزت على الضفة الغربية للبحر الأحمر مملكة مسيحية عريقة عُرفت بحضارتها وتأثيرها الجيوسياسي، وهي مملكة أكسوم في بلاد الحبشة. جلس على عرش هذه الإمبراطورية ملك اتصف بالحكمة ورجاحة العقل والعدل المطلق، خلده التاريخ العربي والإسلامي باسم النجاشي أصحمة بن أبجر، وسجلته المصادر الإثيوبية باسم النجاشي إيلا تساهم.

لم يكن أصحمة بن أبجر مجرد حاكم عابر في سجلات التاريخ، بل مثل نقطة ارتكاز إنسانية وسياسية غيرت مجرى الأحداث في صدر الإسلام؛ حين أصدر النبي محمد ﷺ توجييهه التاريخي لأصحابه المستضعفين قائلاً: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه». تحولت بلاد الحبشة بفضل عدالة هذا الملك إلى أول ملاذ آمن للمسلمين، وشهد بلاطه الملكي واحدة من أعظم المناظرات الفكرية والدينية والدبلوماسية في التاريخ القديم.

النشأة والتكوين الفكري في البلاط الأكسومي

نشأ أصحمة بن أبجر في بيئة ملكية تحفها المؤامرات السياسية المعقدة في عاصمة الإمبراطورية الأكسومية أكسوم (شمال إثيوبيا الحالية). كان والده أبجر ملكاً محنكاً، إلا أن موازين القوى وصراعات البلاط بين الأمراء والبطارقة ألقت بظلالها على طفولة الأمير الصغير. تشير الروايات التاريخية الموثقة في السيرة النبوية والمصادر الإثيوبية إلى أن رجالات البلاط والنبلاء تآمروا على والده وقتلوه، ونصبوا عمه مكانه خوفاً من أن يحكمهم ابن ملك قوي واحد.

لم تتوقف المؤامرة عند هذا الحد؛ بل خشي أمراء أكسوم من ذكاء وفطنة الشاب الصغير أصحمة ونبوغه المبكر، فعمدوا إلى إبعاده عن البلاط وباعوه لتجار رقيق بسبعمائة درهم ونُفي خارج موطنه. غير أن تدبير الأقدار أعاده سريعاً حين هلك عمه بصاعقة رعدية دون أن يترك عقباً صالحاً للحكم، ووجدت المملكة نفسها في فوضى عارمة وشبح حرب أهلية يهدد استقرار أكسوم، فما كان من أعيان الدولة إلا أن بحثوا عن الفتى أصحمة، وأعادوه متوجاً على عرش آبائه، واضعين تاج الإمبراطورية على رأسه وهو لا يزال في ريعان شبابه.

صقلت هذه المحن والتجارب القاسية شخصية النجاشي أصحمة؛ فعرف مرارة الظلم وقسوة الغربة والغدر، وتكون لديه ضمير أخلاقي صارم ونزوع راسخ لإقامة العدل وحماية المظلومين والضعفاء، مهما كلفه ذلك من أثمان سياسية.

الصعود إلى السلطة والتحديات الداخلية

تولى النجاشي أصحمة مقاليد الحكم في مملكة أكسوم في أواخر القرن السادس الميلادي، وواجه منذ البداية تحديات جسام تمثلت في مراقبة حركات التمرد الداخلية ومحاولات بعض القادة والبطارقة تقويض سلطته المركزية. كان على الملك الشاب أن يثبت شرعيته ويعيد تنظيم الاقتصاد والتجارة البحرية عبر ميناء عدوليس الإستراتيجي، الذي كان يشكل رئة الإمبراطورية ورابطها التجاري مع بيزنطة وشبه الجزيرة العربية وبلاد الهند.

امتاز عهد النجاشي بالاستقرار والنهضة القضائية؛ حيث أصلح المنظومة القانونية وأرسى مبادئ الشفافية وسماع المظالم بنفسه في ديوانه الإمبراطوري، دون الاكتفاء بتقارير الأساقفة والوزراء. كان بلاطه مجلساً للحكمة، يجمع فيه كبار رجال الدين المسيحي والعلماء، مما منح حكمه هيبة واسعة وسمعة طبقت الآفاق ووصلت أصداؤها إلى أسواق مكة والحيرة والشام.

الهجرة إلى الحبشة ومناظرة البلاط الملكي

في السنة الخامسة من البعثة النبوية (الموافقة لعام 615 م)، اشتد تعذيب مشركي قريش للمسلمين الأوائل بمكة، فأمر النبي أصحابه بالهجرة الأولى ثم الثانية نحو الحبشة، وكان على رأس الفوج الثاني جعفر بن أبي طالب ومعه كوكبة من الصحابة من بينهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله، وأم سلمة، والزبير بن العوام.

أدركت قريش خطورة هذا التحول الإستراتيجي، وخشيت أن يجد المسلمون قاعدة ارتكاز حليفة وراء البحر الأحمر، فأرسلت وفداً دبلوماسياً رفيع المستوى يقوده داهية العرب عمرو بن العاص (قبل إسلامه) وعبد الله بن أبي ربيعة، محملين بهدايا نفيسة من الجلود والأدم المكيّة الفاخرة للبطارقة والملك، لإقناع النجاشي بتسليم المهاجرين بدعوى أنهم «غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك».

مرافعة جعفر بن أبي طالب وموقف النجاشي

تجلت عدالة أصحمة في رفضه القاطع تسليم اللاجئين قبل استدعائهم والاستماع إلى حجتهم شخصياً. وفي مجلس حافل ضم القساوسة والبطارقة والوفد القرشي، تقدم جعفر بن أبي طالب وألقى خطبته الشهيرة التي تعد وثيقة حقوقية وإنسانية خالدة، حيث قال:

«أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف.. حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه؛ فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.. فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا.. فلما ظلمونا وقهرونا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك أيها الملك».

طلب النجاشي سماع شيء مما نزل على نبيهم، فقرأ عليه جعفر فواتح سورة مريم بصوت خاشع ومؤثر، فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى بلوا مصاحفهم، ثم التفت النجاشي إلى وفد مكة وقال كلمته التاريخية: «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة.. انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكما أبداً ولا يُكادون».

وفي اليوم التالي، حاول وفد قريش الوقيعة مجدداً بالزعم أن المسلمين يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فاستدعاهم النجاشي وسألهم، فأجاب جعفر بثبات: «هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول». فتناول النجاشي عوداً من الأرض وقال: «ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود»، وأعلن حمايتهم التامة في مملكته قائلاً: «أنتم شَيُوم بأرضي (أي آمنون)، من سبكم غَرِم، ما أحب أن لي دبراً (جبلاً) من ذهب وإني آذيت رجلاً منكم».

العلاقات الدبلوماسية ورسائل النبي ﷺ

تطورت العلاقة بين المدينة المنورة ومملكة الحبشة بعد هجرة النبي إلى المدينة وتأسيس الدولة الإسلامية. أرسل النبي محمد ﷺ في العام السادس الهجري رسله إلى ملوك وأمراء العالم يدعوهم إلى الإسلام، وكان سفيره إلى النجاشي الصحابي الجليل عمرو بن أمية الضمري.

استقبل النجاشي أصحمة كتاب النبي بإجلال منقطع النظير؛ فوضعه على عينيه ونزل عن عرشه وجلس على الأرض تواضعاً، وأعلن إسلامه سراً وإيمانه بنبوة محمد ﷺ، وكتب إلى النبي كتاباً مفعماً بالإيمان والتسليم. كما قام النجاشي بتجهيز سفينتين لإعادة من تبقى من المهاجرين إلى المدينة، وتولى بنفسه عقد نكاح أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان للنبي ﷺ وأصدقها من ماله الخاص أربعمائة دينار تكريماً لرسول الله.

توضح المحطات الزمنية التالية التسلسل التاريخي لحياة وحكم الملك العادل أصحمة بن أبجر:

المعلم / المحطةالسنة / الفترةالوصف والأهمية التاريخية
580 م تقريباًولادة أصحمة بن أبجر في أكسومنشأته في بيت الحكم وتعرضه لمحنة الاسترقاق والنفي
605 م تقريباًاعتلاؤه عرش مملكة أكسوماستعادة العرش، توحيد الإمبراطورية، وإصلاح النظام القضائي
615 م (5 ق.هـ)استقبال الهجرة الأولى والثانية للحبشةحماية المهاجرين المسلمين ورفض رشاوى قريش الدبلوماسية
616 ممناظرة البلاط الملكي وسماع سورة مريمالإقرار بوحدة الرسالات الإبراهيمية وتوفير الحماية الرسمية للصحابة
628 م (7 هـ)وصول رسالة النبي ﷺ وعقد قران أم حبيبةإعلان إسلام النجاشي وتسهيل عودة الصحابة إلى المدينة المنورة
630 م (رجب 9 هـ)وفاة النجاشي في أكسومنعي النبي له وصلاة الغائب عليه بالمدينة المنورة

الإرث التاريخي، الوفاة، وصلاة الغائب

في شهر رجب من العام التاسع للهجرة (الموافق 630 م)، توفي الملك العادل أصحمة بن أبجر في عاصمته بالحبشة. وفي نفس اليوم، أُوحي إلى النبي محمد ﷺ بوفاته، فخرج إلى أصحابه في المدينة المنورة وأعلن نبأ وفاته بحزن وإجلال قائلاً: «مات اليوم رجل صالح بأرض الحبشة، فقوموا فصَلُّوا على أخيكم أصحمة».

خرج النبي بالصحابة إلى المصلى، فصفهم صفوفاً وكبّر أربع تكبيرات، فصلى عليه أول صلاة غائب في تاريخ الإسلام، وهي سابقة تشريعية وتكريم لم يحظَ به أحد سواه من الملوك والحكام عبر التاريخ. وظل موقعه ومقامه محفوراً في ذاكرة الأمة الإسلامية وذاكرة شعوب القرن الإفريقي كرمز مطلق للعدالة والإنصاف والشجاعة الأخلاقية.

ترك النجاشي أصحمة إرثاً إنسانياً فريداً؛ فقد جسد نموذج الحاكم المستنير الذي لم تخضعه ضغوط السياسة ولا إغراءات المصالح المادية، وبرهن على أن العدل قيمة إنسانية عالمية عابرة للحدود والأعراق، وظلت قرية النجاشي (في إقليم تيغراي بإثيوبيا) ومسجدها ومقبرته مزاراً تاريخياً وشاهداً حياً على عمق الروابط التاريخية بين العالم العربي والإسلامي وبلاد الحبشة.

الأسئلة الشائعة وإجاباتها التاريخية الموثقة (FAQ)
اسمه الحقيقي هو «أصحمة بن أبجر» وهو بالعربية يعني «عطية»، أما «النجاشي» (أو النيجوس بالإثيوبية: Negus) فهو لقب ملكي عام كان يُطلق على كل من حكم إمبراطورية أكسوم وبلاد الحبشة.
المصادر والمراجع التاريخية المعتمدة:
السيرة النبوية — ابن هشام (تحقيق مصطفى السقا)مرجع كلاسيكي موثق
البداية والنهاية — الحافظ ابن كثير الدمشقيمرجع تاريخي إسلامي
أكسوم والحضارة الحبشية — ستيوارت مونرو هاي (Stuart Munro-Hay)دراسة أكاديمية حديثة
تاريخ الرسل والملوك — الإمام محمد بن جرير الطبريمرجع كلاسيكي موثق
دراسات ومقالات تاريخية ذات صلة